الفضفضة الآمنة: لماذا نحتاج من يسمعنا دون حكم
أحيانا لا نحتاج إلى حل ولا إلى نصيحة، بل إلى مساحة آمنة نقول فيها ما في قلوبنا دون خوف من حكم أو لوم.

هل مر عليك يوم كان كل ما تحتاجينه فيه أن يسمعك أحد؟ لا ليحل مشكلتك، ولا ليخبرك أين أخطأتِ، بل فقط ليسمع. هذه الحاجة ليست ترفا ولا ضعفا. نحن خلقنا لنأنس ببعضنا، والكلمة التي تبقى حبيسة الصدر تثقل صاحبتها يوما بعد يوم.
لكن ليست كل فضفضة مريحة، وليست كل أذن آمنة. فما الذي يجعل الحديث عن همومنا يخفف عنا بدل أن يزيدنا تعبا؟
ما الذي يفعله الكتمان بنا
كثيرات تعودن أن يكن القويات في البيت والعمل: تسمع الجميع، وتحمل الجميع، ولا تجد من يحملها. وبعضنا تربى على أن الشكوى ضعف وأن «البيوت أسرار»، فصار يخلط بين حفظ خصوصية البيت وحرمان النفس من حقها في البوح. ومع الوقت يتراكم ما لم يُقل، فيظهر في صورة انفعال على أمر صغير، أو صمت طويل، أو تعب لا تعرفين له سببا.
حين تتحدثين عما بداخلك بصوت مسموع، يحدث شيء بسيط ومهم: تتحول الفوضى إلى جمل، وتصبح المشكلة شيئا يمكن النظر إليه من الخارج. وكثيرا ما تسمعين نفسك تقولين في منتصف الحديث: «الآن فهمت ما الذي يضايقني حقا».
فضفضة تريح وفضفضة تستنزف
هناك فرق بين أن تفرغي ما في قلبك لتفهميه، وبين أن تعيدي القصة نفسها مرارا حتى يكبر الألم. الأولى تنتهي بشعور أخف، والثانية تتركك أكثر غضبا مما بدأتِ. وعلامة الفضفضة النافعة أن تخرجي منها بفهم أوضح، أو بخطوة صغيرة تنوين فعلها، ولو كانت مجرد أن تنامي مبكرا هذه الليلة.
كما أن الفضفضة الآمنة تدور حولك أنتِ: حول مشاعرك وحاجاتك وما تريدينه. فإذا تحولت إلى حديث عن عيوب الآخرين وأسرارهم، خرجتِ منها بثقل جديد بدل الراحة.
ما الذي يجعل المساحة آمنة
المستمع الآمن لا يقاطعك ليحكي قصته، ولا يقارن ألمك بألم غيرك، ولا يسارع بعبارات مثل «أنتِ تبالغين» أو «احمدي ربك، غيرك أسوأ حالا». والحمد واجب في كل حال، لكن هذه العبارة حين تقال في غير وقتها تغلق الباب ولا تفتحه. والمستمع الآمن لا يستعجل تقديم الحلول، بل يسألك أولا: هل تريدين رأيي، أم تريدين فقط أن أسمعك؟
المساحة الآمنة تقوم على ثلاثة أمور: سرية تامة تطمئنين معها إلى أن كلامك لن ينتقل، وإنصات حقيقي دون حكم، واحترام لقيمك واختياراتك. وأحيانا يكون الغريب المؤتمن أسهل من القريب، لأنك لا تخافين على صورتك أمامه ولا على مشاعره.
حين لا تكفي الفضفضة وحدها
الفضفضة تخفف الحمل وتوضح الرؤية، لكنها ليست علاجا. إذا كان الضيق شديدا أو مستمرا منذ مدة طويلة، أو صار يؤثر في نومك وطعامك وقدرتك على أداء يومك، أو راودتك أفكار مؤذية تجاه نفسك، فمن المهم ألا تؤجلي: تواصلي مع مختص مرخص في الصحة النفسية. هذا من الرحمة بنفسك، وهو باب لا يتعارض مع الإيمان ولا مع القوة.
مساحتك تنتظرك
في جنان الاستنارة الأولى خصصنا جلسات «فضفضة» خاصة لكل من تحتاج أن تتكلم براحتها. تتحدثين مع مستشارة تنصت إليك باهتمام، وتحفظ خصوصيتك، ولا تحكم عليك. يمكنك اختيار المكالمة المرئية أو الهاتفية، أو الرسائل الصوتية والنصية إن كان ذلك أيسر عليك. ولا تحتاجين إلى تحضير ولا إلى ترتيب كلامك مسبقا؛ ابدئي من حيث أنتِ. إن كان في قلبك كلام ينتظر منذ زمن، فاحجزي جلستك، ودعينا نسمعك.